سيد محمد طنطاوي

278

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

حتى جاءت الأرضة فأكلت شيئا من عصاه ، فسقط على الأرض وهنا فقط علموا أنه قد مات . قال ابن كثير : يذكر - تعالى - في هذه الآية كيفية موت سليمان - عليه السلام - وكيف عمّى اللَّه موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة ، فإنه مكث متوكئا على عصاه ، - وهي منسأته - مدة طويلة نحوا من سنة ، فلما أكلتها دابة الأرض ، - وهي الأرضة - ضعف وسقط إلى الأرض ، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة - تبينت الجن والإنس أيضا - أن الجن لا يعلمون الغيب ، كما كانوا يتوهمون ويواهمون الناس ذلك » « 1 » . هذا هو النموذج الأول الذي ساقه اللَّه - تعالى - للشاكرين ، متمثلا في موقف داود وسليمان - عليهما السلام - مما أعطاهما - سبحانه - من نعم جزيله . . أما النموذج الثاني - الذي جاء في أعقاب سابقه - فقد ساقه - سبحانه - لسوء عاقبة الجاحدين ، متمثلا في قصة قبيلة سبأ ، وكيف أنهم قابلوا نعم اللَّه بالبطر ، فمحقها - سبحانه - من بين أيديهم وفي شأنهم يقول - عز وجل - : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 15 إلى 21 ] لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ واشْكُرُوا لَه بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ ( 15 ) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأَثْلٍ وشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ( 16 ) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ( 17 ) وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأَيَّاماً آمِنِينَ ( 18 ) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 19 ) ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّه فَاتَّبَعُوه إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 20 ) وما كانَ لَه عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 21 )

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 489 .